جلال الدين السيوطي
47
معترك الاقران في اعجاز القرآن
ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ 10 ا ] وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » . وفي آل عمران « 1 » : « قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة ، وفي آل عمران الختم بالعلم . والجواب أن آية البقرة لما تضمنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، وخلق السماوات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت ؛ والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليا وجزئيا ، مجملا ومفصّلا - ناسب ختمها بصفة العلم . وآية آل عمران لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار ، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالثواب والعقاب ناسب ختمها بصفة القدرة . ومن ذلك قوله تعالى « 2 » : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » . فالختم بالحلم والمغفرة عقب تسابيح الأشياء غير ظاهر في بادي الرأي ؛ وذكر في حكمته أنه لما كانت الأشياء كلها تسبح ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون ختم بها مراعاة المقدر « 3 » في الآية وهو العصيان ، كما جاء في الحديث : لولا بهائم رتّع ، وشيوخ ركّع ، وأطفال رضّع لصبّ عليكم البلاء صبّا . وقيل : التقدير : حليما عن تفريط المسبّحين غفورا لذنوبهم . وقيل : حليما عن المخاطبين الذين لا يفقهون التسبيح بإهمالهم النظر في الآيات والعبر ليعرفوا حقه بالتأمل فيما أودع في مخلوقاته مما يوجب تنزيهه .
--> ( 1 ) آل عمران : 29 ( 2 ) الإسراء : 44 ( 3 ) في ا : للمقرر .